الشيخ السبحاني

218

سيد المرسلين

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروّي عظامي بعد موتي عروقها « 1 » من هنا اعتبر القرآن الكريم اتخاذ الخمر من التمور والأعناب - في مجتمع كان تعاطي الخمر جزء أساسيا من حياته - مخالفا للرزق الحسن ، وبذلك أيقظ العقول العافية ، إذ قال : « وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً » « 2 » . ( 1 ) إنّ القرآن أعلن - في المرحلة الأولى من مراحل النهي عن تعاطي الخمر - أن اتخاذ المسكر من التمر والعنب لا يعد من الارتزاق الحسن بل الارتزاق الحسن هو تناول التمر والعنب على حالتهما الطبيعية . إن هذه الآية : أعطت هزة ذكيّة للعقول وهيّأت الطبائع المنحرفة لمرحلة أقوى في مسيرة تحريم الخمر حتى يتسنى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يشدد من نبرته ، ويعلن عن طريق آية أخرى أنّ النفع المادي القليل ، الذي تعود به الخمر ويأتي به القمار ، ليس بشيء بالقياس إلى أضرارهما الكبرى وأخطارهما العظيمة ، وقد تم الكشف عن هذه الحقيقة في قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » « 3 » . ( 2 ) ولا ريب أن مجرد المقارنة بين النفع والضرر ، وكذا الوقوف على زيادة الضرر على النفع كاف لايجاد النفور والاشمئزاز لدى العقلاء ، والداعين من الخمر وما شاكلها ، وشابهها . إلّا أن جماهير الناس وعامتهم لن يقلعوا عن هذه العادة الشريرة المتجذرة ما لم يسمعوا نهيا صريحا وقاطعا عنها . فها هو عبد الرحمن بن عوف رغم نزول هذه الآية قد استضاف جماعة من الصحابة وأحضر على المائدة خمرا ، فأكلوا ، وشربوا الخمر ، ثم قاموا إلى الصلاة ، فأخطأ أحدهم في القراءة وهو سكران خطأ غيّر من مراد اللّه تعالى في ما قرأ من

--> ( 1 ) أي ما يسكر . ( 2 ) النحل : 67 . ( 3 ) البقرة : 219 .